هيثم زينهم يكتب : فى عيدك يا امى أبوح ... انتى مدينة الشمس التي لا تسجن
بعد أيام حزينة قضيتها لوفاة والدى الاصل والسند اليوم وبعد انقطاع قسريّ عن الكتابة عدت اليكم لأحدثكم عن واحدة من الذين نذرت الكتابة لهم ووقفتها عليهم عن واحدة من أحباب الله الفقراء في الأرض، عن سيدة تليق بها السيادة، عن ابنة الأرض التي حفر قدميها تاريخاً على كفيها، عن صديق
بعد أيام حزينة قضيتها لوفاة والدى الاصل والسند اليوم وبعد انقطاع قسريّ عن الكتابة عدت اليكم لأحدثكم عن واحدة من الذين نذرت الكتابة لهم ووقفتها عليهم عن واحدة من أحباب الله الفقراء في الأرض، عن سيدة تليق بها السيادة، عن ابنة الأرض التي حفر قدميها تاريخاً على كفيها، عن صديقة الشمس في الحقول، وسميرة النجوم في ليل أفلت أحلامه حتى مطلع الفجر ..امى الغالية وليست مناسبة الكتابة عيد الام فقط لان كل يوم يمر وانا بجوارها هو عيد لى حفظها الله ورعاها
فأمى الغالية اعرفها بعمق فهى خلاصة من العاطفة التي لا تعرف التلوّن، وما إغماضة عينيها بقوة إلا إشارة لعبور القلب إلى مساحات الحب التي لا حدود لها.. و ولم يجد الحقد إلى قلبها سبيلا.. ولم تكتب يوماً بأقلام مدادها سمّ زعاف، ولم تقرأ سطور فتنة في كتاب عتيق.. فقد أتت إلى عالمنا العالم الطافح بالغوغاء نقية طاهرة، في زمن رديء دون أن توقع اعترافها به، أو تطبع بصمتها عليه، دون أن تنتمي لكل هذا الزيف الذي يسمونه حقيقة، أو لذاك الجنون الجامح الذي يحسبونه تعقّلاً وادراكاً. فأمى نشأت وتربت من بيوت الفقراء، من خبزهم ودمعهم وحبهم، من أغاريدهم البريئة وأناشيدهم الجريئة، من وقع خطاهم وصدى هتافهم وخفق راياتهم المطرزة بالوجع..
فأمى هى مدينة الشمس التي لا تسجن، والصوت الذي لا يخنق، والحرّية التي لا تقتل، والكلمة التي لا تمحى.. أمي عصيّة على الظلم، متمرّدة على الضعف، هازئة بالخوف، متعالية على التزلّف والتملق، حرّة، أبية، طليقة الجناحين، محلقة في فضاء رحب نظيف من الانتهازية والوصولية والببغائية والتبعية العمياء .. كنت واخوتى صغارا وكانت امى تأخذنا بأيدينا ذاهية بنا الى المدرسة ومن ثم الى عملها وتعود من عملها وتعود بنا لبيتنا وتقوم بكل واجباتها وحتى اليوم ورغم كبر سنها تقوم بكل واجباتها نحونا ومازالت امسك يدها وبصيرتها لتأخذنى الى الطريق الحق انها أمى فخرى واعتزازى فهى جسر متين موصول بأسرار العشق وآيات الانتماء، لم ترتضي منه وعنه بدلا ... فهى من تضوّعت بالطيب وترصّعت بالعزّ ونقاء القلب و بياض الأثواب..
امى الغالية
فى عيدك عيد الأم أكرر كل يوم ووجودك معنا وانا بين يديكى ولمن عرفك حق المعرفة لا يتردد القول إنّ كلّ الأيام لكى وكل يوم انتى فيه معى هو يوم عيدى وكلّ الزمان والمكان ممهور بتوقيعك وإنّ تكامل الحياة مرهون بوجودك وفعلك !..
فيا امى مجازفة منى أن أكتب عنك لأنّ الكلمات تقصر عن إدراك السّر الربانيّ المقدّس الذي أودعه الخلّاق العظيم فيكى ..
فأمى تلميذة التراب الخصب الزاهر بالحبِّ والكرامة, لا تتبجح باللغات, ولا تعرف غروراً يحجبها عن رؤية إنسانها بصفاء .. لا تتكلّف التجمّل أو تستجدي الألوان, ولا تخال نفسها حورية تستعصم من الخطّاب ... امى الغالية علمتينى ان تكون العيون حالمة والقلوب خفّاقة أملاً وحياة.. ان أغرس بذور العطاء لتثمر في الوطن ! أن أمتلك المحبة في قلوب الناس ونحجز لأنفسنا مكاناً في ذاكرتهم ووجدانهم وان للقلوب مفاتيحها وأول المفاتيح غزير المحبّة وطيب الكلام وصدق النوايا ..
وأمام حضرة السماء وتحت قبة الله أسجل اعترافي أحبك يا امى وانحنى اليكى و أقبل قدميكى فكيف لى لا اقبلها والجنة تحت أقدامك فكل العمر لكى وحياتى ممهورة بتوقيعك فقط أحبك
هيثم زينهم عيسى
كاتب صحفى ورئيس تحرير مجلة مصر