آخر الأخبار
انهض يا سيد
بواسطة محرر 328 مشاهدة 1 دقيقة قراءة

جمال عبد المجيد يكتب: سِّيدعبدالعاطي قدِّيس الصحافة المصرية

  يعجز القلم عن الكتابة... وتُحبس الأنفاس... وتهرب الكلمات... عندما أحاول الكتابة عن واحد من جيل الصحافيين العظام ... الذين لمعت أسماؤهم في بلاط صاحبة الجلالة وقت أن كانت بالفعل صاحبة جلالة .. تأمر فتطاع ، تكشف فتنير... فالكل يتباري من أجل تنويرالرأي العام صاحب الأمر والنهي

  يعجز القلم عن الكتابة... وتُحبس الأنفاس... وتهرب الكلمات... عندما أحاول الكتابة عن واحد من جيل الصحافيين العظام ... الذين لمعت أسماؤهم في بلاط صاحبة الجلالة وقت أن كانت بالفعل صاحبة جلالة .. تأمر فتطاع ، تكشف فتنير... فالكل يتباري من أجل تنويرالرأي العام صاحب الأمر والنهي.. فلم نعتد الكتابة عن العباقرة إلاَّ لرثائهم... ولم نقدر عظمة النجوم إلاَّ بعد غيابها... ولا نري ضوء الشمس إلاَّ عند المغيب ... سيٍّد عبد العاطي ،كاتب صحافي بارز، إنسان مهذَّب ،مثقف ثقافةٍ واسعة ، شديد الإطَّلاع ، شديد التواضع لله، سريع التسامح، سريع البديهة، وفدي حتى النخاع ، وطنيته فوق كل إعتبار... صاحب مدرسةٍ صحفيةٍ متفردة، هي مدرسة الصحافة الإنسانية التي تضع في الإعتبار الصحفي وأعباؤه ومشاكله المهنية فبل أن يتصدي لمشاكل الناس تلك المدرسة التي اندثرت في ظل رؤساء تحرير لا يرون في الصحفي سوي "خبره" ومصدره ، ولا اكتراث لشئ أخر، تلك المدرسة التي نشأت وترعرعت معه وصقلتها التجربة لتزيدها قوة وعزما لا تراجعا وإهمالا،وهي المدرسة التي تخرج فيها كتاب وصحفيون أصبحوا ملئ السمع والبصر ، ويدينون له بالولاء إلا قليلا منهم .. أخلص لمهنته، وأفني عمره فيها، واقتحم الصعاب؛ حتي يحظى بلقب صحفي ،ولا عجب في ذلك فهو تلميذ العملاق مصطفي شردي ،مؤسس الصحافة الوفدية في أوجها، الذي تعلم منه الكثير ، ولم يكن غريبا أن يحمل عبد العاطي صورة مصطفي شردي عندما تولي رئاسة تحرير جريدة صوت الأمة في 2009 وكانت صورة مصطفي شردي هي الشئ الوحيد الذي أحضره سيد عبد العاطي من منزله ليضعها نصب عينيه في الجهة المقابلة لمكتبه، ورغم أننا لم ندرك اللقطة الصحفية في لقطته الإنسانية ، لكنه أدركها هو ف قيمة مصطفي شردي تعرفها قامة سيد عبد العاطي ... خاض سيد عبد العاطي معاركَ صحفية عديدة وكثيرة ومتشعبة، في وقتٍ كان مصير أي معركة صحفية مُقَّدر ومحتوم، إمَّا السجن وإمَّما التصفية ، فقد كان أول صحفي يكشف بالمستندات مصادر ثروة علاء وجمال مبارك نجلي الرئيس مبارك وكان ذلك في التسعينيات وما أدراك ما تسعينيات نظام مبارك ، وهي القضية التي فجَّرها في صحيفة عربية بعد أن خشيت الوفد نشرها ، لاعتبارات حزبية وأمنية وتوازنات شخصية، ولم يكن يعلم أحد في العالم العربي والغربي حقيقة ثروات نجلي الرئيس إلاَّ بعد أن فجرها سيد عبد العاطي، قبل ثورة 25 يناير 2011 بـ 25 عاما على إندلاعها، بما يساوي ربع قرن على فساد العائلة المباركية البائدة.. اشتبك سيد عبد العاطي مع أكبر رأس في البلد أنذاك ، مبارك شخصيا من خلال نجليه ، وقام المستشار رجائي عطية محامي علاء وجمال بمقاضاته في ساحات المحاكم ، وكاد الصحفي المحارب أن يغيب خلف قضبان النظام رغم امتلاكه الوثائق والمستندات السليمة ، لكنه صحفي ذو مخالب وأنياب فاستطاع أن يخرج من القضية مثل " الشعرة من العجين" ؛ لامتلاكه ملف طبي خطيرعن أحد أفراد عائلة مبارك لو تم نشره لأصبح مبارك المتعجرف محتقرا من أفراد أسرة سوزان مبارك وعائلتها، ولاحتقره المصريون أكثر من احتقارهم له لكنه هدد بنشره ولم ينشره بل ولخطورة الملف أرسله إلى دولة أوربية وأوصي بإخراجه للنور لو حدث له مكروها... ولهذه قصة اخري؟ معاركة الصحفية لا تعرف المستحيل.. وليس لها حدود، ولا تقف عاجزه عند أسوار أو حرَّاس، فكان أول صحفي يدخل إلى السجن الحربي ويسجل فيه وقائع مذهلة عما كان يدور فيه فترة حكم جمال عبد الناصر، وهو السجن شديدة الحراسة، ممنوع الإقتراب أو التصوير ، لكنه تسوَّره وصوَّره، ولامس بيديه أبوابه المصفحة، وضرب بقدميه على أرضيته الفولاذ ، وأصطحب معه " عدة الشغل من "مِنشار حدَّادي" لقطع الأسلاك الشائكة و " كمًّاشة" وأيضا " شاكوش " وذلك بعد دراسة وافية لمكان السجن قبل هدمه وكاد أن يفقد روحه من طلقة مصوَّبةٍ نحوه لو رأه أحد الحراس المرابضين لحماية السجن .. لكن الله سلَّم وخرج سليما ؛ليسجل وقائع دخول أول صحفي مصري إلى السجن الحربي، وصاحبة في رحلة الموت المصور الصحفي اللامع عبد الوهاب السهيتي. "تمكن صبيان مصريان من السفر إلى مسقط بدون جوازات سفر، بعد أن نجحا في دخول مطار القاهرة،والوصول إلى الطائرة المصرية المتجهة إلى عُمان، وهناك ألقت السلطات القبض عليهما حيث لم تجد معهما جوازات سفر أوتذاكر تسمح لهما بركوب الطائرة وتقرر إعادتهما إلى القاهرة وعقب وصولهما تولت السلطات المصرية التحقيق.. لو لم يوجد سيد عبد العاطي لما قرأنا عن أول تحقيق صحفي من نوعه نشر على صفحات جريدة الوفد بعنوان " كيف تخطف طائرة" فقد تم نشر الخبر السابق في صفحات حوادث الصحف القومية ولم ينتبه إليه احدا فما كان منه إلا أنه فكَّر وخطط لخطف طائرة من حرم مطار القاهرة ، وبالفعل بعد تخطيط عميق وجد نفسه في كابينة القيادة ونشر التحقيق الذي أقام الدنيا ولم يقعدها ، وانبرت الأجهزة الأمنية لتحقق في كيفية دخول وخروج صحفي وصعودة إلى كابينة القيادة في زي عامل صيانة، وهو التحقيق الذي نبَّه الأجهزة المعنية باحتمالية اختراق مطار القاهرة الدولي من قبل أي جماعة إرهابية، لو أرادت التخطيط لسرقة طائرة ، وهو التحقيق الذي نشر في 25 اكتوبر 1990 وكشف عن الثغرات الامنية في المطار، وهو ما أوقع " المجنون " -مثلما وصفه عباس الطرابيلي – في حيرة وترقب وقلق من جراء ردة فعل الاجهزة الامنية التي كانت مستنفرة في الاساس للبحث عن قتلة رفعت المحجوب و5 من حراسه على يد الجماعات الإسلامية وما أراده فقد حدث فتم رصد 7 ملايين جنيها لزيادة عدد كاميرات المراقبة وتشديد الاجراءات الامنية ، وتحقيقات موسعة بوزارة الداخلية مع الضباط المكلفين بحراسة المطار وإقصاء بعضهم ومعاقبة أخرين وماعقبته شخصيا بأن منع من السفر إلى الكويت لتغطية وقائع صحفية هناك ، ووضع اسمه على قوائم الممنوعين من السفر ، وإخراج حكم حبس غيابي في قضية نشر رغم حصوله على البراءة ، ومنعه من ممارسة عمله الصحفي عندما ذهب لتغطية جلسة مزاد بيع 12 طائرة لتجار الخردة فقد حُورب في عمله لأنه كشف ثغرات وفجوات تأمين أهم مطار دولي. يهوي المخاطرة... لايحب أن يكون في مقاعد المتفرجين... يعشق التجربة حتي لو كانت ثمنها حياته... دخل مستشفي المجانين وسجل وقائع خطيرة في كتابه "صحفي في سراية المجانين" رغم أنها مغامرة محفوفة بالمخاطر وتجربه مرعبة توازي تجربة المبيت ليلة في غرفة الملك خوفو بأهرامات الجيزة تلك المغامرة التي أ دهشت العالم الغربي نفسه، فكيف لإنسان عادي ليس إلها من ألهة الفراعنة أن يدخل إلى غرفة دفن الملك خوفو ؛ ليقضي ليلة كاملة ولم يصب بالجنون مثلما أصيب نابيليون بونابرت ، ولم يصب بلعنة الفراعنة التي أُلفت فيها مئات الكتب، وكيف له أصلا أن يفكر فيها من الأساس لا لشئ إلاَّ لشغفه لمعرفة الحقيقة المجردة بنفسه وبأم عينه، دونما تهوين أو تهويل لما رأه وكان دافعه في ذلك إثبات للعالم أجمع كذب العالم الإنجليزي" بول بيرتون" الذي بات ليلة كاملة في غرفة دفن الملك خوفو وأكد لقائه اثنين من الكهنة وخرج " بيرتون" وزعم أن بناة الاهرام هم أبناء قارة أطلانطا الذين هلكوا جميعا الامر الذي جعل مغامرنا الصحفي يكرر التجربة الفريدة لكشف اللثام عن مزاعم وأكاذيب " بيرتون" وحقيقة لعنة الفراعنة وسجل تفاصيل تلك المغامرة في معشوقته الوفد قبل أن يوثقها كاملة في كتابه" مغامرات صحفي مشاغب" .. لم يتوقف خياله الصحفي عند ذلك الحد ،فقد نام مع الأموات في مقابر باب النصر وقرأ ما تيسر من القرأن لزائري القبور وأخذ أجره من " الرحمة" ؛ليكشف فساد الحياة في العشوائيات وظلم الحكومة لمواطنيها ويميط اللثام عن تجارة الجثث لا لشئ إلا لتسليط الضوء عية بقعة من أرض مصر تناستها الدولة فتساوي الأحياء فيها بالأموات.. يعرفه المسؤلون جيدا .. ويخشون قلمه .. فقد سجَّل تلميذ شردي- الأب- أرقاما قياسية في توزيع صحيفة الوفد التي تشرفت بالعمل فيها عندما تولي رئاسة مجلس التحرير ورئيس تحرير الإصدار الأسبوعي أثناء قيام ثورة الخامس والعشرين من ينايرفي عام 2011 وأعاد إلى القارئ اسم الوفد صاحب الخبطات الصحفية، وبعث الصحيفة من جديد ، فلم يكن عجيبا أن يرفع المتظاهرون جريدة الوفد في ميدان التحرير؛ للاستشهاد بها على فساد نظام مبارك وحاشيته، ولم يكن غريبا أن يصبح الوفد صحيفة- لا حزبا- في مرمي نيران فلول نظام مبارك ومرمي نيران جماعة الاخوان المسلمين ومن تولي إدارة شؤن البلاد وذلك لانحياز الجريدة إلى الشارع المصري وحده وتخليه عن التوازنات التي وقعت فيها الكيانات الأخري وأصبح سيد عبد العاطي في مرمي نيران الجميع بما فيهم قيادات حزب الوفد التي أغرقت الحزب في دوامات التوازنات والمصالح الشخصية ... لا يجيد التطبيل.. ولا المداهنة... أو النفاق للدرجة التي تصل إلى حد البعد كل البعد عن أصدقائه المقربين إذا أصبح احدهم في منصبٍ قيادي ، او أصبح صاحب حقيبة وزارية تراه يبتعد عنه في الوقت الذي يتاجر وينافق بعض الصحفيين أصدقاءهم لترضي عنهم القيادة الساسية ومنحهم حقائب وزارية ، يتخللي عن توازنته الشخصية واحتياجه الماديه ؛للإنتصار لمبادئه العليا ، ولم" يوارب" باب شرفه المهني يوما من الأيام رغم العروض المالية الضخمة التي ارتمت تحت قدميه هذا هو جوهر شخصية سيد عبد العاطي الذي يعرفه الصحفيون كما يعرفون أبناءهم لكن أعينهم في غطاء عن ذكره...